ابن حزم

824

الاحكام

عن المثنى بن سعيد رده إلى أبي العالية قال : قال العباس ، ويل للاتباع من عثرات العالم . قيل له : كيف ذلك ؟ قال : يقول العالم من قبل رأيه ، ثم يبلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ به ، وتمضي الاتباع بما سمعت . قال حماد بن زيد : حدثنا النعمان بن راشد قال : كان الزهري ربما أملى علي حتى إذا جاء الرأي ووقفته عليه فأكتبه فيقول : اكتب إنه رأي ابن شهاب ، وإنه لعلك أن يبلغك الشئ فيقول ما قاله ابن شهاب إلا بأثر ، فليعلم أنه رأيي . قال أبو محمد : لم يدعا رضي الله عنهما من البيان شيئا إلا أتيا به ، فأعلمك ابن عباس أن كاتب رأي العالم والآخذ به له الويل ، وأن العالم يقول برأيه : وأنه يلزمه ترك ذلك الرأي إذا سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه ، وأعلمك الزهري أنه يقول برأيه ، وينهاك عن أن تقول فيما أتاك عنه : إنه لم يقله إلا بأثر ، وهكذا يفعل هؤلاء الجهال فإنهم يقولون : لم يقل هذا مالك وفلان وفلان إلا بعلم كان عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم ويحكمون بالظن ويتركون اليقين ، نعوذ بالله من الخذلان . واحتج بعضهم في إثبات التقليد بغريبة جروا فيها على عادتهم في الاحتجاج بكل ما جرى على أفواههم ، وذلك الحديث الذي فيه : إن ابني كان عسيفا على هذا قالوا فقد كان الناس يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي . قال أبو محمد : وهذا أعظم حجة عليهم في إبطال التقليد ، لان المفتين اختلفوا في تلك المسألة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي ، فأفتى بعضهم على الزاني غير المحصن بالرجم ، وأفتى بعضهم عليه بجلد مائة وتغريب عام ، فكان هذا التنازع لما وقع قد وجب فيه الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فرد الامر إليه فحكم بالحق وأبطل الباطل . وهكذا الامر الآن ، قد اختلف المفتون حتى الآن في تلك المسألة بعينها فقال أبو حنيفة : عليه الجلد ولا تغريب عليه حرا كان أو عبدا ، وقال مالك : عليه الجلد والتغريب إلا أن يكون عبدا ، وقلنا نحن وأصحاب الشافعي : عليه الجلد والتغريب على العموم ، عبدا كان أو غير عبد ، فوجب أن يرد هذا التنازع الذي بيننا إلى القرآن والسنة ، فوجدنا نص السنة يشهد لقولنا فوجب الانقياد له ، فهذا الحديث يبطل التقليد جملة ، ونحن لم ننكر فتيا العلماء